ما جدوى الأدب؟

 


يَطْرَحُ سؤال " جدوى الأدب؟ " في العصر الراهن نفسه بإلحاح، وقد يكون مَرَدُّ ذلك نابعًا من الحاجة إلى الاتجاه للمجال الصناعي، والتسابق للإنتاج الآلي، في ظل الاكتساح التكنولوجي للعالم؛ ما يدفع بمعظم الذين يشككون في صلاحية الأدب إلى طرح هذا السؤال، كما يمكن أيضا أن نرجعه إلى غياب فهم عميق لدى هذه الفئة لمعنى "الأدب"، فهل يعقل أن نأخذ بكلام من يُهَونُونَ ما لا يعرفون؟.

إن جدوى الأدب تكمن بالدرجة الأولى في إنتاج الفكر؛ باعتباره أرقى درجات الانتاج، وعندما نتحدث عن الفكر فنحن هنا نتحدث عن نظام كوني قائم الذات، إذْ بدونه سَيتَعطَّلُ الوُجودُ، وتصير كينونة الفرد من عدمها سواء، ونستند في هذا الـمقام على الكوجيطو الديكارتية القائلة بــ: "أنا أفكر إذا أن موجود" دون أن نقصد من إيرادها أي حمولة ايديولوجية قد توحي بها.

يُعَدُّ اشتغال الأدب على تيمة "الفكر" إعلانًا صريحًا للرغبة في مـحاربة ثقافة الاستهلاك، ورفض الرضوخ للقواعد الجاهزة، التي تجعل الانسان شبيها بآلة يتم توجيهها وفق أوامر مخزنة في ذاكرتها، لهذا لا غرابة في أن نجد الطلبة المتفوقين في الـمجتمعات المتقدمة يختارون اتمام دراستهم وتكوينهم في مجال العلوم الإنسانية بصفة عامة، أو على الأقل الوفاء للكتابة الأدبية، ومنبع هذا الاهتمام  وَلَّدهُ إيمانهم القوي بالفكر وجدواه، وحينما تَثْبُتُ في قناعة مجتمع معين جدوى شيء ما؛ آنذاك يكون أفراده في غنى عن طرح هذا السؤال؛ لذا فربط الأدب بالفكر والوجود يُحَوِّرُ سؤال الجدوى إلى منحى مغاير؛ من أجل إكسابه شرعيةً أكثر، وبُعدًا فلسفيا أعمق، فيصير السؤال: ما جدوى وُجودِنَا؟.

إلى جانب تلك الإساءة التي تطأ الأدب من لَدُنِ فئة لربـما ينتسب أهلها إلى تخصصات خارج حدود التخصصات الأدبية، يمكن أن تَلحَق الأدب كذلك إساءة من بعض المنتمين لمجاله من حيث لا يدرون، مـما يبيح للبعض طرح ذلك السؤال "ما جدوى الأدب؟" بِطَابعِهِ الذي ينتقص من الأدب، وقد يعود ذلك إلى كون أصحاب الفئة الثانية المتحدث عنها يقزمون الأدب في جانبه الفني التذوقي لا غير، رَادِّين إياه إلى جانب جمالي محض، مع العلم أن الأدب أكبر من أن يتم حصره في بؤرة ضيقة تخفي حقيقته الكاملة، غير أن هذا الاحتمال لا يعني أننا ننكر كَوْنَ هذا الجانب "الفني" غير ذي جدوى، بل على العكس من ذلك؛ إذْ لا يخلو هو الآخر من قيمة مضافة يتفرد بها الأدب دون سواه؛ ففعل الكتابة والإبداع الأدبي يُعَدُ تطهيرًا للنفس، فَكَمْ من مريض وَجدَ دَواءهُ في مقطوعة شعرية، وكم من رواية طهرت نفوس قُرَّائها من خُبثِ حِقْدٍ دفينٍ صوب شيء ما، أو أحدٍ ما...

إن الذين يتحدثون عن جدوى الأدب اليوم، خاصة إذا ثم تحديد جدواه من الناحية الاقتصادية، يجدر بهم أن يتحدثوا ويتساءلوا - بالأحرى - عن جدوى وجودهم أولا، فإذا استطاعوا أن يبلغوا مبلغ الإجابة القويمة التي تُمكنهم من إدراك سر وجودهم، سيسهل عليهم حينذاك أن يَتلقَّفُوا إجابة سؤالهم عن جدوى الأدب، هذا السؤال الذي يزيح عنه مثل هؤلاء صفة البراءة، وإذَا تحقق ذلك يمكننا أن نقول "من أدرك سر وجوده، أدرك سر الأدب وجدواه".



Post a Comment

أحدث أقدم